عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
231
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
هو بالموت وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [ الطّلاق : 3 ] . ورابعها : وهي الخروج عن الشهوات النفسانية والتمتعات الحيوانية ، كما هي بالموت إلا ما اضطر إليه من حاجة الإنسانية فلا يسرف في المأكول والملبوس والمسكن ويختصر على ما لا بد منه لقوته . وخامسها : العزلة وهي الخروج عن مخالطة الخلق بالانزواء والانقطاع كما هو بالموت ، إلا عن خدمة شيخ وأصل ، كامل ، مرب له هو كالغسال للميت . فينبغي أن تكون بين يديه كالميت بين يدي الغسال ، يتصرف فيه كما شاء ليغسله بماء الولاية عن جنابة الأجنبية ولوث الحدوث . وأصل العزلة : عزل الحواس بالخلوة عن التصرف في المحسوسات . فإن كل آفة وفتنة وبلاء ابتلى الروح بها وكانت تقوية للنفس وتربية لصفاتها . فيها دخلت من روزنة الحواس وبها استتبعت النفس الروح إلى أسفل السافلين ، وقيدته بها واستولت عليه . فبالخلوة وعزل الحواس ينقطع مدد النفس عن الدنيا والشيطان بإماتة الهوى والشهوة ، كما أن الطبيب في معالجة المريض يستعمل أولا الاحتماء عما يضره ويزيد في علل مرضه ، فيقطع بذلك عنه مدد المواد الفاسدة التي ينبعث بها المرض وينقي به المواد ، وقد قيل : الحمية رأس كل دواء ، ثم يزيل عنه المواد الفاسدة ، ويتقوى به قوى الطبيعة ، وتنجذب الصحة ، فالمسهل هنا بعد الاحتماء وتنقية المواد الذكر الدائم . وسادسها : ملازمة الذكر : وهو الخروج عن ذكر ما سوى اللّه بالنسيان . قال اللّه تعالى : وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ [ الكهف : 24 ] أي إذا نسيت غير اللّه ، كما هو بالموت . فأما نسبة المسهلية بالذكر ، وهو كلمة لا إله إلا اللّه ، فبأنه معجون مركب من النفي والإثبات ، فبالنفي يزيل المواد الفاسدة التي تولد منها مرض القلب وقيود الروح وتقوية النفس وتربية صفاتها ، وهي الأخلاق الذميمة النفسانية والأوصاف الشهوانية الحيوانية وتعلقات الكونين ، وبإثبات إلا اللّه ونوره تحصل صحة القلب وسلامته عن الرذائل من الأخلاق بانحراف مزاجه الأصلي واستواء مزاجه بنوره وحيويته بنور اللّه وتجلي الروح بشواهد الحق ، وتجلي ذاته وصفاته ، وأشرقت أرض النفس بنور ربها ، وزالت عنها ظلمات صفاتها يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ( 48 ) [ إبراهيم : 48 ] فعلى قضية فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [ البقرة : 152 ] بتبدل الذاكرية بالمذكورية والمذكورية بالذاكرية ، فيفنى الذاكر في الذكر ويبقى المذكور خليفة للذاكر فإذا طلبت الذاكر وجدت المذكور وإذا طلبت المذكور وجدت الذاكر .